إشكال "أمل" و"حزب الله" في "اللبنانية" من بقايا خلافات الرعيل الأول

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

وتذكّر تلك المصادر ببدايات تلك الفترة حين اصطف العشرات من كبار مشايخ الشيعة التاريخيين لمناهضة هذا التحول الديني والثقافي والسياسي الذي يسعى "حزب الله" ومن ورائه محتشمي لفرضه على الجنوب. وكان الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، احد اهم المعارضين في مجالسه الخاصة لتوجهات "حزب الله" على غير صعيد، فهو ظل يؤمن بعروبة شيعة لبنان، وظل يثمن غالياً العلاقة التعليمية الدينية بين جبل عامل العربي والنجف العربية، ويمقت محاولة جعل شيعة لبنان جالية فارسية تمارس طقوسها وتحيي اعيادها على اساس الرزنامة الايرانية.
وفي هذا المجال، تلفت الدراسة الى الانقلاب الثقافي والحضاري والاجتماعي الذي احدثه "حزب الله" على القيم السائدة في الجنوب، فتذكر كمثال على ذلك انه حتى اللكنة التي باتت تقرأ بها سيرة الامام الحسين في الجنوب في عهد "حزب الله" تغيرت وباتت لكنة فارسية حملها معهم الى الجنوب خريجو قم الذين زودوا بتعليمات عن ضرورة ممارسة كل ايحاء يخدم اشاعة المناخ الايراني في جنوب لبنان وبين الشيعة فيه.

وبالعودة الى مواقف الامام شمس الدين، تذكر الدراسة انه بمقابل شعار المقاومة الاسلامية المسلحة المنقادة من ضباط الحرس الثوري الايراني، فإن الشيخ شمس الدين طرح المقاومة المدنية المستندة الى انتفاضة شعب متجذر في ارضه ويعبر عن هويته العربية اللبنانية من خلال رفضه الاحتلال الاسرائيلي لأرضه وارتباطه بدولته ووطنه.

وتقول الدراسة انه لسنوات غير قليلة ظل الكوادر الاساسيون في امل الذي اثقلوا بمواجهة محاولة "حزب الله" ومن ورائه ايران طمس كل الثقافة اللبنانية والعربية للشيعة، وبضمنها تراث امل والامام الصدر، يعتبرون الامام شمس الدين بمثابة مرجعية دينية لهم وغطاء شرعيا ودينيا يمثل عقائدهم وهويتهم بمقابل "حزب الله".

حتى السيد محمد حسين فضل الله، فإنه لم يساير الانقلاب الاجتماعي لايران فوق الساحة الشيعية اللبنانية على طول الخط، فبعد وفاة الامام الخميني تخلى فضل الله عن تأييده لولاية الفقيه وتحدث عن ضرورة الاعتراف بمرجعيات متعددة للشيعة في العالم، وذلك حتى تقوم كل مرجعية بمراعاة الانتماء الجغرافي والتاريخي والحضاري للتجمع الشيعي الذي يتبع لها. وبكلام آخر قال فضل الله ان هناك اختلافات حضارية وتاريخية واجتماعية بين الشيعة العرب والشيعة الفرس والشيعة الباكستانيين، وعليه فإنه لا يصح اسقاط ولاية فقيه مركزي واحد عليهم.

وهوجم آنذاك السيد فضل الله من قبل "حزب الله" بتحريض واضح من قم وقيادة الحرس الثوري، ووصل الامر الى توزيع مناشير في الضاحية الجنوبية لبيروت تهاجمه وتعتبره مرتداً.

وتؤكد المصادر أنه خلال الوجود السوري في لبنان، وتحديداً بعد اتفاق الطائف، برزت في امل شكوى من تعاظم هيمنة "حزب الله" على الساحة الشيعية ومحاولته احتكار كل العناوين التي تهم الشيعة في لبنان من عنوان تحرير الارض في منطقة الشريط الحدودي الى عناوين سياسية اخرى كثيرة. ورغم ان الرئيس نبيه بري اراد أكثر من مرة تشكيل غرفة عمليات مشتركة مع "حزب الله" في الجنوب لتنسيق عمليات المقاومة داخل المناطق المحتلة، الا ان قيادة الحزب رفضت ذلك وحرضت دمشق على مساندة موقفها.

وتشير المصادر الى أن هجمة "حزب الله" على امل لإنهائها سياسياً بلغت اوجها في آخر انتخابات بلدية جرت ايام الوصاية السورية في لبنان، وآنذاك كان رستم غزالة قد حل مكان غازي كنعان في ادارة ملف الوصاية المباشرة، وكان الرئيس حافظ الاسد قد توفي وحل مكانه نجله بشار، فوجد الحزب في هذه التغييرات فرصة للانقضاض سياسياً على امل وعلى رمزية نبيه بري كزعيم ومرجعية شيعية اساسية، ونسق الحزب مع غزالة آنذاك شعار "ان المقاومة بحاجة لاظهار ان لها شرعية شعبية في الساحة الشيعية امام الرأي العام العالمي لدحض المقولات الدولية التي تعتبره تنظيماً ارهابياً، وعليه فإنه يجب ان يحصل "حزب الله" على نسبة ثمانين في المئة من مقاعد بلديات القرى والمدن الشيعية اللبنانية".
ويعني هذا المطلب ان الحزب يريد ان يحصر تمثيل امل في الساحة الشيعية بنسبة عشرين بالمئة.

وعارض بري هذا الامر وكادت مفاعيل تطبيقه تؤدي الى صدامات بين امل و"حزب الله" في أكثر من منطقة شيعية ولا سيما النبطية، الامر الذي جعل رستم يتراجع عن خطته، ما ادى الى قيام السيد نصرالله انذاك بتفكيك لوائحه البلدية في بعض المدن الشيعية الكبرى لمصلحة تقاسمها مع امل.

ورغم انقضاء هذه الواقعة على "سلامة"، الا انها عززت النفور بين قواعد الطرفين ورسخت حقيقة ان خلفياتهما السياسية والعقائدية غير منسجمة، بل هي متناقضة الى حد بعيد وجوهري.

وجاءت التطورات اللاحقة لتظهر الملاحظات التالية على مستوى نظرة كل من الحزب والحركة لبعضهما:
بعد التحرير رسخ "حزب الله" سيطرته على البنى الاجتماعية الجنوبية والبقاعية وفي الضاحية الجنوبية، وحصر نفوذ حركة امل في بؤر صغيرة مدروسة، فحصرها في مدينة صور جنوباً، وفي الضاحية الجنوبية حصرها في حي الشياح، اما في البقاع فقد صادرها جميعها.

وأكثر من ذلك سعى "حزب الله" في ظروف الازمة الداخلية التي تلت انسحاب سوريا من لبنان واستمرت حتى اتفاق الدوحة، الى احداث اوسع اختراقات امنية وسياسية في حركة امل، فتحت شعار مواجهة تيار 14 آذار الاستقلالي قام بتسليح عناصر من الحركة للقيام بمهمات امنية ذات طابع مذهبي في بيروت، وقام سياسياً بمصادرة اي تمايز لامل عن الحزب في النظرة للوضع الداخلي.

وحدثت بعد اتفاق الدوحة مجموعة احداث امنية بين الحركة والحزب ولا سيما في منطقتي الشياح في ضاحية بيروت والصرفند في الجنوب. ورغم انه تم اعطاء هذه الاحداث طابعاً فردياً، الا ان العارفين بعمق الفوارق بين امل و"حزب الله"، كانت لهم قراءة خاصة بهم لهذه الاحداث، إذ فسروها بأنها تعكس الاحباط في امل من دور التبعية للحزب، وبالمقابل تعكس عدم ثقة الحزب بقواعد امل وحرصه على عدم السماح لعصب التنظيم في أمل بالاستيقاظ من سباته لأنه في الحالة الاخيرة فإن امل ستعود لدورها ما يؤدي إلى تجدد الصدام بين الطرفين.

وتأتي اليوم احداث الجامعة اللبنانية بين امل والحزب لتؤكد ان النار الراكدة تحت الرماد تستفيق عند كل فرصة، وأن العصب التنظيمي في امل لديه ملاحظات جوهرية ضد لعبة التهميش التي قام بها الحزب ضد حركة امل والتي لا تزال مستمرة بأشكال شتى بغية استئصال ثقافتها ومصادرة نفوذها وتقليصه الى ابعد مدى وإبقاء نتف منها بما يخدم لعبة استخدام الحركة كواجهة تكتيكية لمشاريع "حزب الله" فوق الساحة اللبنانية.

سامي فريد

 

المستقبل
No votes yet